يعرف التشريع الاجتماعي بانه مجموعة من القواعد الخصوصية التي تنظم العلاقات المهنية بين طرفي الانتاج(مؤجر/اجير) ويحتوي على فرعين رئيسيين هما:
* قانون الشغل (مجلة الشغل، الاتفاقيات المشتركة، القوانين الاساسية الخاصة بنشاط المؤسسات العمومية ذات الصبغة الاقتصاديـــة و التجارية..)
* قانون الضمان الاجتماعي (الضمان الاجتماعي في القطاع الخاص ، قانون الحماية الاجتماعية و المساعدات بمناسبة فقدان الشغل، قانون تعويض الاضرار عن الحوادث و الامراض المهنية، التقاعد…)
و ينطبق هذا التشريع على الاجراء المرتبطين بعقود عمل مهما كان نوعها او مدتها ما دامت تدخل في الانشطة الخاضعة لمجلة الشغل. وهي عقود افردها المشرع بإجراءات خصوصية محددة سواء بمناسبة ابرامها او تنفيذها او ايقافها او قطعها كما أنها مولدة لالتزامات و حقوق لا ينظمها العقد نفسه، بل تنشأ من خلال الواقع المهني داخل المؤسسة، و أيضا من خلال القواعد العامة الخاصة بالتنظيم القانوني للعلاقات الجماعية للشغل و اساسا المرتبطة بمجالات التفاوض الجماعي و ممارسة الحق النقابي و التمثيل الجماعي للعملة. فواقعيا لا يمكن ادراك طبيعة عقود الشغل بمعزل عن رؤية المشرع لها، كما لا يمكن عزل شروط تنفيذه بالأمانة المطلوبة عن عوامل مرتبطة بالثقافة السائدة و واقع المؤسسة و طبيعة نشاطها و محيطها الجغرافي و الاقتصادي و السياسي. و هي عوامل متداخلة تساهم في تطوير الآليات القانونية للتشريع الاجتماعي، و تجعله تشريعا مرنا و متحركا قادرا على صياغة الحلول المستجيبة من جهة لحاجيات مؤسسة الانتاج، و للرقي الاجتماعي للعمال من جهة اخرى، باعتباره تشريعا ضامنا لحقوقهم و مؤتمن على حمايتهم من كل اشكال التردي الاجتماعي.
و يبقى التشريع الاجتماعي متأثرا دوما:
* بسياسات الدولة الاقتصادية و توجهاتها الاجتماعية و اختياراتها في مجالات التعليم و التدريب و التكوين المهني و طبيعة علاقتها بالمنظمات المهنية.
.بالطبيعة و الخلفية الفكرية للمنظمات النقابية و مواقفها من السياسات الرسمية للحكومات و التي لها تاثير مباشر على مصالح منخرطيها *
.مدى قدرة سلطات الرقابة الرسمية كتفقديات الشغل على فرض احترام القانون في ظل الحيادية و الاستقلالية*
وقد اختلفت في هذا الاتجاه الرؤى حول دور هذا التشريع الاجتماعي في ضمان الرقي الاجتماعي، حيث ان الغالبية من منظري تيار العولمة يعتبرون أن تدخل الدولة الحمائي لفائدة الطبقة العاملة يحد من تدفق الاستثمار و يرفع تكلفة الانتاج و يحد من حركة الرأسمال و القدرة التنافسية للمؤسسات . وهو رأي محدود النظرة لأنه في تصوراته لا يعترف بحقوقها الاجتماعية التي اكتسبتها منذ بدايات الثورة الصناعية (القرن التاسع عشر) ويعمل على اعادة النموذج القديم للنظام الرأسمالي المتوحش و الذي ناضلت شعوب اروبا – خاصة- ضده لآثاره المدمرة على القوة العاملة ماديا و صحيا.
الا انه و منذ سنة 2008 و بهدف الحد من الاثار السلبية لهذا التوجه صدر «اعلان منظمة العمل الدولية بشان العدالة الاجتماعية من اجل عولمة عادلة » (جينيف 10 جوان 2008) قائمة على مبدأ ضمان« على العمل اللائق».
و يأتي هذا الاعلان في وقت «ينتشر فيه انعدام اليقين في عالم العمل ويشهد استمرار حالات انتهاكات حقوق العمال و تزايد الشواغل التي تحملها العولمة و الحاجة الى ان تضافر المنظمات الدولية جهودها على نسق افضل للتصدي لهذه المسائل»
و يأتي هذا الاعلان في وقت «ينتشر فيه انعدام اليقين في عالم العمل ويشهد استمرار حالات انتهاكات حقوق العمال و تزايد الشواغل التي تحملها العولمة و الحاجة الى ان تضافر المنظمات الدولية جهودها على نسق افضل للتصدي لهذه المسائل»
و من البديهي ان هذه المتغيرات التي يشهدها العالم تؤثر على فلسفة التشريع الاجتماعي الوطني و يعرضه لتحديات مرتبطة بالمبادئ و المفاهيم والقيم التي تأسس عليها. وهو مطالب بالإجابة على تلك التحديات التي تقيد من فعاليته حتى يحافظ على دوره الطلائعي في تحقيق العدالة و السلم و الرفاه الاجتماعي عبر تكريس مبدأ ضمان العمل اللائق. لذلك فهو في حاجة دائمة للتحليل و التقييم من طرف الفاعلين الاجتماعيين و المختصين في علم الاجتماع القانوني ، بما يتيح التعمق في فهم التحولات المؤثرة في رؤية المشرع لعلاقات الشغل آخذا بعين الاعتبار تطور وسائل الانتاج وتقنياته في محيط متحرك في الزمان و المكان.
وخلافا لرؤية المناهضين لهذا التشريع، فان اصدار الاحكام المسبقة في تقييمه ما هي الا محاولات مشلولة هدفها الرئيسي تبرير الفشل في مواجهة الازمات التي يعاني منها المجتمع نتيجة اتباع سياسات ارتجالية لا تعتمد رؤيا استراتيجية توافقية لمنوال تنمية متوازن يحقق الحد الادنى من العدالة في توزيع الثروة و الاستفادة المتوازنة من المكاسب التي تتحقق.
ان واقع عالم الشغل في علاقته بالمحيط الخارجي سيبقى دائما عنصرا دافعا نحو اعادة صياغة العلاقات الاجتماعية و المهنية على المستوى الفردي و الجماعي، و مصدر تحوله و تطوره. فالتشريع الاجتماعي لم يكن مطلقا تشريعا ثابتا، انما هو تشريع اقيم على مبدأ التطور و الديناميكية وارتبط دائما بتطور وسائل الانتاج و ظروف العمل و طبيعة رأس المال.
ان تشريع الشغل لم ينبع الا من تلك العلاقة الجدلية بين أرباب العمل و العمال.فتضارب المصالح بينهما تؤدي حتما الى إيجاد المعادلات الصعبة في فض النزاعات و الخلافات الشغلية و بالتالي الى خلق شروط جديدة للعمل تنببع من تلك الحاجيات الفعلية المتبادلة و تضمن حقوق الطرفين. و يتولد عن ذلك بالضرورة وضع تصورات قانونية جديدة تتماشى و حقيقة العلاقات المهنية.
و تبقى تونس من البلدان التي راهنت على ثروتها البشرية التي هي عمودها الفقري في تحقيق التنمية، كما ان تشريعها الاجتماعي اعطى اهمية بالغة لمسألة السلم الاجتماعي عير التركيز على مبدأ الحوار كوسيلة لتكريس مفهوم التوافق بين مختلف الاطراف الانتاج.
و على اساس هذه القاعدة اعتبر الحوار الوطني بين الاطراف الاجتماعية من الاسس الرئيسية لتطوير التشريع الاجتماعي ، وهو معني مباشرة بالتغيرات السياسية و الاقتصادية و بالتحولات الاجتماعية
و لكن واقع الحال المتأزم، حث المشرع الوطني للبحث عن الحلول البديلة لواقع الشغل الذي خاصة بعد تجربة السبعينات (اعتماد الاقتصاد الليبيرالي) و تجربة التسعينات و ما بعدها (تحديات العولمة بالتخلي تدريجيا على المؤسسات الاقتصادية التابعة للدولة) شهد تحولات عميقة سواء على مستوى التوجهات السياسية و الاقتصادية للدولة في ضمان بقاء نسق الاستثمار في مستوى مقبول قادر على امتصاص البطالة و توفير استقرار اليد العاملة و تطوير أدائها.
و مع ذلك – و كما سيقع بيانه لاحقا – لم تكن هذه التوجهات العامة موفقة في تجنيب البلاد هزات و ازمات خطيرة لفقدانها لاستراتيجية تنموية متوسطة و بعيدة المدى تأخذ بعين الاعتبار نقاط القوة و الضعف لدى للمؤسسة الوطنية و مدى قدرتها على المنافسة و التطور . ان المقاربات كانت دائما ، وبعد كل ازمة، تعتمد الحلول الترقيعية لتجاوزها و غلب عيها البعد السياسي الضيق.
وفي الحقيقة فان الخطوط العريضة لضمان سلم اجتماعي قادر على الاستمرار و الصمود امام الازمات الاقتصادية تكمن في:
* تكريس مؤسساتي للتفاوض و الحوار بين طرفي الانتاج و الدولة على اساس المحافظة على التوازنات الكبرى للسياسات الاقتصادية و الاجتماعية،
* اعطاء دور أكثر فاعلية لتنمية الحوار صلب مؤسسات الانتاج هدفها الرفع من الانتاجية و تحسين تقنياته، و الدفع بثقافة الانتماء لها،
* تشجيع البحث العلمي بالشراكة مع أقطاب مؤسسات الانتاج و المؤسسات المتوسطة و الصغيرة ضمن شبكة متكاملة تضمن الجامعات و هياكل الدولة و المنظمات المهنية،
* قيام الدولة بدعم تدخلاتها لتطوير البنية التحتية بما يضمن جودة الخدمات و يشجع على الاستثمار.
* اعادة النظر في السياسة التعليمية و التكوين المهني و التشغيل بما يساهم في الرفع من كفاءات طالبي الشغل على المستويين العلمي و التطبيقي، و يسهل ادماجهم في سوق الشغل دون اللجوء الى الحوافز الوهمية و الظرفية أثبتت التجارب عدم مردوديتها الاقتصادية.
وضوح و عدالة و استقرار في سياسات الضريبة و الاجور وهو أ مر يكاد يكون غائبا في التمشي الوطني*